بمناسبة ذكرى عيد المبعث النبوي الشريف (ص)، التقى سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم صباح اليوم (السبت: 2026/01/17) الآلاف من أبناء الشعب الإيراني من مختلف الفئات. وفي مستهل اللقاء أشار سماحته إلى القدرة العظيمة للإسلام على إحداث تحول حضاري مماثل لما حدث في صدر الإسلام، وتحويل المجتمعات التي غرقت في الجهل والظلم والاستبداد والخوف إلى مجتمعات تتمتع بالصلاح والنجاة والكرامة. ثم عرّج سماحته مستعرضاً طبيعة الأحداث الأخيرة، وأدواتها، والواجبات الملقاة على عاتق الشعب في مواجهة الفتنة الأخيرة، مؤكداً موقف إيران من المسؤولية الأميركية عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالشعب.
كما اشاد سماحته بالمسيرات المليونية التي شارك فيها الشعب الايراني في يوم 12 كانون الثاني/ يناير في مختلف المدن الايرانية مؤكداً أن الشعب الإيراني قصم ظهر الفتنة، لكنه من الضروري التعرّف جيداً على ماهية الفتنة ودوافعها وأهدافها وعناصرها "المُدربون" و"المخدوعون".
وأكد سماحة آية الله الخامنئي، في تهنئته بأهم عيد في تاريخ البشرية، «للشعب الإيراني، والأمة الإسلامية، وجميع أحرار العالم»، أن بعثة النبي محمد (ص) تُمثل ميلاد القرآن، ووعي البشر بالبرنامج الإلهي لتربية الإنسان الكامل، وبداية الحضارة الإسلامية، ورفع راية العدل والأخوة والمساواة، مضيفاً أن إدراك فضائل البعثة يتجاوز قدراتنا ويجب استيعابه من خلال أقوال أمير المؤمنين (ع) ودراسة نهج البلاغة.
وأشار سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم إلى الوضع في شبه الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية الشريفة، واصفاً إياه بـ "الانحطاط الأخلاقي الشامل، والجهل، والقسوة، والظلم، والاستبداد، والغطرسة، والتعصب، والتمييز العميق"، وقال سماحته: "استناداً إلى الوحي وبرنامج إلهي قائم على العقل والإيمان، استطاع النبي محمد (ص) أن يُربّي من هذا الشعب المنحطّ أفراداً شرفاء مثاليين مثل أبوذر وعمّار ومقداد، وهذه القدرة الفريدة للإسلام ما زالت قادرة اليوم على إحداث التغيير".
وأضاف سماحته أن العديد من مجتمعات العالم اليوم، وخصوصاً الغربية منها، على الرغم من اختلاف مظاهرها وحديثها عن الحقوق، ما زالت تعاني من الفساد الأخلاقي العميق، والظلم، والاستبداد، والغطرسة، مؤكداً أن الإسلام والمسلمين المؤمنين قادرون على إنقاذ العالم من الانحدار نحو الفساد والدمار، وتحويله إلى طريق الصلاح والنجاة والكرامة، بشرط التحلي بإيمان عميق وشامل.
واستند سماحة آية الله الخامنئي في ذلك إلى الآية الشريفة: "ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، مشدداً على أن الشرط الأساسي لتمكين المسلمين من إنقاذ البشرية هو ما سمّاه سماحته بـ "إيمان أبوذري"، مشيراً إلى وجود هذا الإيمان الفردي بين الشهداء البارزين والمجهولين في الجمهورية الإسلامية، لكنه أكد أن الأهم هو انتشار هذا الإيمان على مستوى المجتمع ككل.
وفي الجزء الثاني من حديثه، تطرق قائد الثورة الإسلامية المعظم إلى الفتنة الأخيرة التي سببت بعض الإزعاج للشعب وألحقت أضراراً بالبلاد، مشيراً إلى أن الفتنة تمت السيطرة عليها بفضل الله وبجهود الشعب والمسؤولين والكوادر المتمكنة، لكنه شدد على ضرورة فهم ماهية الفتنة، دوافعها، عناصرها، وكيفية التصرف تجاه الأعداء.
وشدد سماحته بأن الفتنة الاخيرة التي شهدتها ايران كانت فتنة اميركية وان الهدف الاميركي هو ابتلاع ايران، وإعادة فرض هيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على إيران، وأنّ هذه السياسة مستمرة وليست مرتبطة بالرئيس الأمريكي الحالي فقط. ونوّه سماحته بأن هذه الافعال ليست حكرا على الرئيس الاميركي الحالي بل ان السياسة الاميركية برمتها هي هكذا، فهؤلاء الاميركيون لا يطيقون وجود دولة تمتلك مثل هذه القدرات والخصائص والمساحة والتقدم العلمي.
وقال سماحة آية الله الخامنئي: "في السابق، عندما كانت تحدث فتن مماثلة في البلاد كان الاعلام الاميركي والساسة الاميركيين والاوروبيين من الدرجة الثانية هم من يتدخلون لكن الفتنة الاخيرة تميزت بتدخل الرئيس الاميركي بنفسه فيها والادلاء بتصريحات وتشجيع اصحاب الفتنة والقول بانه سيدعم عسكريا مثيري الشغب، فهذه كانت فتنة اميركية واضحة، والاميركيون هم من خططوا لها وانني اقول بحزم وصراحة وبتجربة تفوق الـ 50 عاما بأن هدف اميركا هو ابتلاع ايران".
وأكد قائد الثورة الاسلامية المعظم بانه خلال الفتنة الاخيرة وصف الاميركيون من قاموا باشعال الحرائق والتخريب واعمال الشغب بانهم هم الشعب الايراني، وهذه هي تهمة عظيمة تُلصق بالشعب الايراني، واجرام، وهناك وثائق تثبت ما اقوله، فاميركا والكيان الصهيوني هما مجرمان.
وندد سماحته بالسعي الاميركي منذ انتصار الثورة الاسلامية لاعادة الهيمنة التي خسرتها اميركا على يد الشعب الايراني وبقيادة الامام الخميني (رض)، فالسياسة الاميركية التي تتبعها كافة الادارات الاميركية هي عدم تحمّل وجود دولة مستقلة مثل ايران.
وأشار سماحته بأنه واثناء الفتن السابقة التي شهدتها ايران كان الاشخاص الاعلاميين الغربيين هم من يتدخلون، لكن في هذه المرة قام الرئيس الاميركي بنفسه بتشجيع اصحاب الفتنة. كما اعتبر سماحته بأننا نعتبر الرئيس الأميركي مجرماً بسبب الاضرار والخسائر والاتهامات التي تسبب بها للشعب الإيراني.
كما أشاد سماحته بالمسيرات المليونية التي شارك فيها الشعب الايراني في يوم 12 كانون الثاني/يناير في مختلف المدن الايرانية مؤكداً ان ذلك صفعة قوية على وجوه الادعياء، فوسائل الاعلام المرتبطة بالصهيونية كانت تُعّرف الاشخاص القلائل الفتنويين بأنهم هم "الشعب الايراني" لكن الحقيقة هي شيء آخر وقد رأيناها جميعا في الشوارع.
وأكد سماحته بأن عناصر الفتنة الاخيرة هم فئتين، فالفئة الاولى هم المتزعمين المدربين على يد اجهزة المخابرات الاميركية والاسرائيلية، والفئة الثانية هم اشخاص غير ناضجين والمراهقين والشباب المتأثرين بالفئة الأولى، الذين لم يكن لهم أي اتصال بالكيان الصهيوني أو أجهزة التجسس، بل كانوا أشخاصاً سذجاً استُغِلوا من قبل القادة الميدانيين، ودفعهم الحماس إلى القيام بأعمال وممارسات لم يكن ينبغي لهم القيام بها، فالجهلاء الذين تزعمهم العناصر المدربة قاموا بارتكاب جرائم كبيرة.
وأوضح قائد الثورة الاسلامية المعظم أن هؤلاء يشكّلون المرتزقة في الميدان، وكانت مهمتهم مهاجمة المنازل والمرافق والمراكز الصناعية، وأضاف أن "العناصر الجاهلة والمستَغَلة" بتنفيذ تعليمات "العناصر الخبيثة والمدرّبة" تسببت في أضرار جسيمة، شملت تدمير 250 مسجداً، وأكثر من 250 مركزاً تعليمياً وعلمياً، والتسبب بأضرار للقطاعات الصناعية والبنوك والمستشفيات والمتاجر، وأدت إلى مقتل آلاف الأشخاص وإصابة آخرين.
وأشار سماحته إلى أعمال غير إنسانية ووحشية شملت حصر وحرق شباب أحياء داخل مسجد، وقتل أطفال صغار ونساء ورجال بلا حول ولا قوة، مؤكداً أن هذه الجرائم كانت جزءاً من مخطط مُعد مسبقاً للفتنة، واستخدموا فيها أسلحة بيضاء ونارية وصلت من خارج البلاد.
وأكد سماحة آية الله الخامنئي أن الشعب الإيراني قصم ظهر الفتنة، مشيراً إلى أن تحركه الجماهيري في 12 كانون الثاني/ يناير جعل من هذا اليوم يوماً تاريخياً في سجل إنجازات الشعب، إذ أوقِف الفتنة بقوة وحرّف خطط المدّعين.
وأشار سماحته إلى أن المبالغة في حجم الفئة الصغيرة من الفتنة في وسائل الإعلام العالمية التابعة للصهاينة، مقابل إنكار أو تقليل حجم الحشود الهائلة للشعب الإيراني في 12 كانون الثاني/يناير، هو أمر معتاد، مؤكداً أن الواقع لا يتغير بهذه الأساليب، وأن الحقيقة ما شاهده الشعب بأم عينه في طهران والمدن الأخرى.
واعتبر قائد الثورة الإسلامية المعظم أن انتصار الشعب الإيراني على الفتنة يمثل استمراراً لهزيمة أميركا والصهاينة في حرب الأيام الـ12، مضيفاً أن هذه الفتنة أُطلقت تمهيداً لأعمال أكبر، لكن الشعب أوقفها، ومع ذلك، يجب أن تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن أفعالها.
وطالب سماحته الأجهزة المعنية، بما فيها وزارة الخارجية، بمتابعة الجرائم الأخيرة لأميركا، مؤكداً: "لن ندخل البلاد في حرب، لكننا لن نترك المجرمين الداخليين أو الدوليّين يفلتون من العقاب، ويجب متابعة ذلك بالأساليب الصحيحة".
وأشار سماحته إلى أن الشعب الإيراني، بفضل الله، كما قصم ظهر الفتنة، يجب أن يقصم ظهر مثيري الفتنة ايضا.
وفي ختام حديثه، شدد سماحة آية الله الخامنئي على تقدير التضحيات الليلية والنهارية للمسؤولين وقوى الأمن والشرطة والحرس الثوري والتعبئة في مواجهة الفتنة الأميركية–الصهيونية، مؤكداً أن المسؤولين تحركوا إلى جانب الشعب، ما أدى إلى حسم الأمر بحزم ووضوح.
وحذّر سماحته من الخلافات الحزبية والسياسية والفئوية بين المواطنين، مؤكداً ضرورة وحدة الجميع في الدفاع عن النظام الإسلامي وإيران.
وأشار سماحته إلى جهود المسؤولين ورئيس الجمهورية والرؤساء الآخرين في الميدان، مؤكداً أن الانتقاد الجاهل للأداء دون معرفة الحقائق أمر مرفوض، وأن أي إساءة للرؤساء داخل البرلمان أو خارجه غير مقبولة.
واختتم سماحته قائلاً: "يجب أن نُقدّر المسؤولين الذين يتواجدون في الميدان مع الشعب، وأن نسمح للرئيس ورؤساء السلطات بالقيام بواجباتهم وخدمتهم الكبيرة. فالوضع الاقتصادي صعب، والوضع المعيشي يعاني، ويجب على المسؤولين التركيز على توفير السلع الأساسية والاحتياجات الضرورية للشعب بجهد مضاعف، وعندئذٍ سيبارك الله جهودهم".
