بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين، سيّما بقية الله في الأرضين.
أبارك للإخوة والأخوات الأعزاء الحاضرين جميعهم، ولشعب إيران كافّة، وللمسلمين في العالم جميعهم، ولأحرار العالم كلهم، في مناسبة عيد المبعث النبوي الشريف والعظيم. أسأل الله أن تُنير ذكرى ذلك اليوم القلوب، وتُرشدنا إلى الطريق، وأن نتمكّن من الانتهال من حقيقة المبعث.
إنّ يوم بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله يومٌ في غاية الأهمية؛ إذ لا يوجد في تاريخ البشرية يومٌ يفوقه أهميّة. في الواقع، يوم البعثة هو يوم ولادة القرآن؛ القرآن الذي ينضح بالحكمة ويفيض بالنّور. وفقًا لتعبير أمير المؤمنين (ع)، هو يوم «النور الساطع»؛ يقول: «النّور السّاطع». إنه يوم تربية الإنسان الكامل؛ أي من هذا اليوم بدأ التخطيط لتربية البشر الكاملين الذين يُعدّ أئمة الهُدى (عليهم السلام) المصداق الأتمّ لهم. كما أنّه يوم وضع خريطة الحضارة الإسلامية؛ ففي هذا اليوم بدأت هذه الحضارةُ فعلياً، وظهر لعالم الوجود المخطط العظيم والتاريخي والدائم لها، الذي ما يزال متاحًا لي ولكم اليوم. هو يوم رفع راية العدل والمساواة والأخوة أيضًا، وما إلى ذلك. لا يمكننا ذكر فضائل يوم المبعث؛ أي إنّ فهمنا ولغتنا وقلوبنا أصغر وأكثر قصورًا من أن تُبيّن أهمية بعثة النبي (ص). نعم، أمير المؤمنين (ع) قادر على ذلك، وقد فعل. راجعوا نهج البلاغة، فالخطبة الثانية فيه تتناول بعثة النبي (ص) وكيف بعثه الله في أي ظروف وبأي حالة؛ وقد ذُكرت هذه المعاني أيضًا في بعض الخطب الأخرى من نهج البلاغة.
أود أن أشير هنا إلى نقطة واحدة عن البعثة، وهي تفيدنا اليوم أكثر من أي حديث آخر. إنّ بعثة النبي (ص) تجسّد الحضارة الحقيقية للبشر؛ أي إذا أراد البشر أن يعيشوا بأفضل نحو ممكن، يجب أن يعيشوا وفق البرنامج الذي قدّم في البعثة؛ فهذا البرنامج وحده يمكّنهم من الحياة الصالحة والجيدة.
أما هذه الحادثة، هذا الحدث، فأين وقعت؟ وأين وُجدت البعثة وتحت أي ظرف؟ حدثت البعثة في أسوأ الظروف التي يمكن تصورها؛ بين قوم كانوا من الناحية الأخلاقيّة ومن الناحية العمليّة ومن حيث الفكر ومن الناحية القلبيّة، الأسوأ والأشقى والأكثر عنادًا وعصبيّة وظلمًا واستبدادًا في مجتمعات ذلك الزمان؛ هكذا كان حال الجزيرة العربية. ويصف أمير المؤمنين (عليه السلام) أحوال تلك الأيام بقوله: «فالهدى خامل والعمى شامل»؛ أي إنّ شعلة الهداية كانت مطفأة تمامًا، أي لم يكن هناك أي هداية إلى حقائق العالم الطاهرة؛ «والعمى شامل»؛ أي إنّ العمى كان عامًا؛ هكذا يصوّر أمير المؤمنين (ع) حالة الناس في مكة والمدينة وما حولها حين بُعث النبي (ص). كانوا جهلة وأميين ومعاندين ومتعصبين وفاسدين ومتكبّرين - فبرغم كل تلك الصفات القبيحة، كان يسكنهم الكِبر- وظالمين، يفتك بهم التفاوت الطبقي. كبارهم سيئون، وصغارهم سيئون؛ ظالموهم، مظلوموهم، عبيدهم، أربابهم. في مثل هذه الأجواء، انبثقت البعثة وظهر الإسلام ونزل القرآن.
طبعًا، الإسلام قائم على العقل والإيمان. لذا يجب قياس وفهم والعمل بكل البرامج الإسلامية بميزان العقل والإيمان. أما أولئك فلم يكن لديهم لا عقل ولا إيمان. دخل النبي (ص) إلى هذا المجتمع؛ أي تلا هذه الأقوال الإلهية، الوحي الإلهي، كلام الله على مثل هؤلاء الناس، وتمكن في غضون ثلاث عشرة سنة - وهي ليست بالمدّة الطويلة – أن يصنع من هؤلاء الناس أمثال عمّار، وأبي ذر، والمقداد؛ نعم، من بين هؤلاء الناس أنفسهم!
تخيّلوا معلّمًا يدخل صفًّا طلابه جميعاً غارقون في اللهو، فاقدو التركيز والانتباه، بلا موهبة ولا رغبة في التعلم، ثم يتمكّن في مدة محددة من تربية هؤلاء الأطفال ليصبحوا منضبطين وجاهزين ومتعلمين وأصحاب فهم؛ تصوروا هذا المثال وضاعفوه آلاف المرات، ليكون هو حال البعثة النبوية في مكة؛ وهذا يدل على أن قوة الإسلام، وقوة الدين الإلهي، وقوة الأحكام والمعارف الربانية، بلغت حداً استطاعت معه أن تخلق من أولئك البشر تلك النماذج الفريدة من الشرف. أبو ذر ليس شخصية عادية، لكنه قبل الإسلام وفي أوان الجاهلية كان شيئاً آخر، وكذلك عمار وغيره.
هذا الكلام يكتسب أهميته لواقعنا اليوم. أريد أن أؤكد وأقول إن الإسلام اليوم ما يزال يحتفظ بالقوة نفسها. إنّ المجتمعات البشرية تعاني اليوم من تلك الصفات نفسها، ولكن بأساليب مختلفة، وبأدبيات مختلفة؛ الظلم نفسه الذي كان في ذلك الوقت قائمٌ اليوم، الغرور نفسه حاضرٌ اليوم، الفساد نفسه موجود اليوم. تسمعون في أخبار العالم في الأشهر الماضية: إنشاء جزيرة من الفساد، هل هذا بالأمر الهيّن؟ الفساد الأخلاقي، الفساد العملي، الظلم، القوة، الاستبداد، التدخل في شؤون الآخرين، والفتك بكل من تطاله أيديهم، يعتدون على أي شخص، وبسط النفوذ حيثما استطاعوا؛ البشر هم نفسهم، لكن المفردات والمظاهر تغيّرت. اليوم يأتون بعطر وربطة عنق وبدلة جميلة، ولكنهم هم أنفسهم، لم يتغيروا. البشرية اليوم - أؤكد أن ما أقوله لا يشمل البشرية كافة - في كثير من المجتمعات، خصوصًا الغربية، مصابة بهذه الآفة؛ الحق يُنتهك، والضعيف يُستضعف.
أبو جهل نفسه موجود اليوم أيضًا، وابن المغيرة المخزومي نفسه موجود اليوم كذلك. «إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ» نزلت في ابن المغيرة؛ {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)} (المدثر)؛ «قُتِلَ» أي الموت له. {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)} إلى نهاية الآيات المباركة. اليوم هم أنفسهم؛ هم من يحكمون الملايين من البشر، ويجرّون من هم تحت سلطتهم إلى النار. في القرآن، يتحدّث [جلّ وعلا] عن فرعون فيقول: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} (هود، 98)؛ سيكون فرعون زعيمًا في يوم القيامة مثلما كان زعيمًا لقومه في الدنيا، يقودهم إلى النار، ويُسقط من خلفه من يتبعونه فيها. هؤلاء هم أنفسهم يتحرّكون نحو النار، وهم بالفعل في نار حقيقية وملكوتيّة، ويجرّون شعوبهم أيضًا نحو النار. هذا هو واقع العالم اليوم.
الإسلام هو الإسلام نفسه؛ وبإمكان هذا الإسلام أن يقلب العالم اليوم من حالٍ إلى حال؛ إنّه قادر على ذلك. نحن قادرون - نحن، وليس بالضرورة أنا وأنتم فقط – بل أنصار الإسلام والمعتقدون والمؤمنون به، قادرون على سحب العالم من منحدر الفساد إلى قمم الصلاح والنجاة والشرف؛ قادرون على نقله من جانب النار إلى جانب الجنة؛ هذا الأمر يمكن أن يتحقّق اليوم أيضًا. نعم، إنّه ممكنٌ اليوم، ولكن ثمّة شرط: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ}؛ {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} تعني: في مقدوركم جعل العالم يسير خلفكم؛ ولكن متى؟ {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران، 139)؛ فالإيمان شرط ضروري. حسنًا، نحن نملك إيمانًا الحمد لله، والشكر لله، لكن هذا الإيمان ليس إيمان أبي ذر؛ يجب أن نصحح أعمالنا، وأن نؤدي واجباتنا، وأن نصلح قلوبنا. إذا تمكنا من إنجاز هذه الأمور، واستمعنا إلى نصائح القرآن والإسلام والنبي (ص)، وأولينا أهمية لـنهج البلاغة وطبقناه، فسوف نمتلك ما امتلكه النبي (ص) في ذلك اليوم، وسنستطيع إنجاز ما أنجزه النبي (ص) آنذاك؛ يمكننا أن نعود بالعالم نحو الصلاح؛ ويمكن تحويل المجتمعات الرازحة تحت سلطة أصحاب النفوس الفاسدة إلى مجتمعات متقدمة تصنع الإنسان، إذا ما تحقق شرط «إِن كُنتُم مُؤْمِنين» إن شاء الله. علينا أن نكون يقظين، ونعمل ما نعلم، ونتجنب المعاصي. إن إيماننا اليوم ليس من النوع الذي يصنع أمثال أبي ذَر. لحسن الحظ، فقد شهدنا في الجمهورية الإسلامية نماذج فردية سلكت نهج أبي ذر، مثل بعض الشهداء العظام، كشهدائنا العظام المعروفين منهم والمجهولين؛ هؤلاء موجودون، ولكن المطلوب هو أن يتغير المجتمع بأسره، وأن يغمر الصلاح كل مفاصله.
حسنًا، يوم المبعث هو يومٌ كهذا، فيه عُرِض هذا الإيمان، وكان أول من آمن به أمثال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والسيدة خديجة (عليها السلام)؛ ففي الرعيل الأول لم يكن هناك غيرهم. كان هذا ما أردت بيانه بشأن ذكرى المبعث الشريف.
أود أن أذكر بضع جمل عن هذه الفتنة الأخيرة. لقد حدثت فتنة ألحقت بعض الأذى بالناس وآلمتهم وأضرّت بالبلاد - وهذا هو شأن الفتن على أي حال - ثم وبتوفيق من الله، وعلى يد الشعب والمسؤولين وعناصر الأمن المدركين للحظة والماهرين، أُخمدت هذه الفتنة، بحمد الله. عليكم أن تعرفوا الفتنة. لذا أودّ أن أقدّم هنا بعض النقاط: أولًا، يجب أن نفهم طبيعة الفتنة؛ أساسًا ما هذه الفتنة، ولماذا حدثت؟ ثانيًا، ما هي أدوات هذه الفتنة وعناصرها ومن هم الفاعلون، فعند النظر إلى ظاهر الأمر ترى شابًا، لكن ما القضية؟ والنقطة الأخرى تتعلق بكيفية اتخاذنا للمواقف وماذا سنفعل إزاء ما فعله بنا عدونا. سأقدّم هذه النقاط بإيجاز.
أولًا، كانت ماهية الفتنة فتنةً أمريكية. كان الأمر جليًّا. خطّط الأمريكيون وعملوا، وكان هدفُ أمريكا - أقول ذلك بضرسٍ قاطع، استنادًا إلى تجربةٍ تمتد لأكثر من أربعين عامًا في الجمهورية الإسلامية - ابتلاعَ إيران. منذ بداية الثورة الإسلاميّة وحتى اليوم، كانوا يفكرون باسترجاع تلك الهيمنة التي فرضوها على هذا البلد وأُزيلت بأيدي الشعب والشباب وأفراد الناس كلهم في أنحاء البلاد كافة، تحت قيادة الإمام [الخميني] العظيم. أي إعادة إيران إلى الخضوع لهيمنتهم العسكرية، وهيمنتهم السياسية، وهيمنتهم الاقتصادية. هذا هو الهدف. هذا لا يرتبط بالرئيس الأمريكي الحالي؛ ليس مرتبطًا بالشخص الذي يتولى الرئاسة الآن، بل هو مرتبط بالسياسة الأمريكية نفسها. هذه هي سياسة أمريكا. إن بلدًا بهذه الخصائص، في هذا الموقع الجغرافي الحساس، وبهذه الإمكانات، وبهذه الجغرافيا الواسعة، وبهذا العدد من السكان، لا يستطيعون تحمّله؛ ولا سيّما مع هذا التقدّم، فالتقدّم الذي يحقّقه في المجالات العلمية والتكنولوجية وفي قطاعاتٍ مختلفة، هذا غيرُ قابلٍ للتحمّل بالنسبة إلى الأمريكيين. نحن نعدّ الرئيس الأمريكي مجرمًا، سواء بسبب الخسائر في الأرواح أو بسبب الأضرار أو بسبب افترائه على الشعب الإيراني. أي {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)} (المدثر) نفسها، فقد جلسوا وخططوا [للنيل منا]، لأنهم لا يطيقون صبراً على وجودنا. هذا ما يخصّ جانبهم هم.
طبعًا، في الماضي، عندما كانت تحدث فتنةٌ من هذا النوع - لقد شهدنا فتنًا متعدّدة في البلاد - كان التدخّل غالبًا يقتصر على الصحافيين الأمريكيين، أو الساسة من الدرجة الثانية في أمريكا، أو بعض الدول الأوروبية. أمّا ما ميّز هذه الفتنة تحديدًا، فهو أنّ شخصَ الرئيس الأمريكي نفسه، هو شخصيًا، تدخّل فيها؛ صرّح وأبدى مواقف وهدّد وشجّع مثيري الفتنة. أرسل رسائل من أمريكا إلى هؤلاء الأشخاص - الذين سأبيّن لاحقًا من كانوا - قال لهم: تقدّموا، تقدّموا إلى الأمام، لا تخافوا. قال: نحن ندعمكم، وسنقدّم دعمًا عسكريًا. أي إنّ الرّئيس الأمريكي نفسه دخل في الفتنة وأصبح جزءًا منها. قدم عددًا من هؤلاء - هذه المجموعة التي خرّبت وأحرقت وارتكبت أعمالًا غير قانونية وقتلت - على أنّهم «الشعب الإيراني»؛ فافترى بذلك افتراءً كبيرًا على الشعب الإيراني. قال إنّ هؤلاء هم الشعب الإيراني، وإنّه يريد الدفاع عنه. هذه جرائم، إنّها جرائم. ما ذكرته من استدلالات، هي استدلالات موثّقة؛ أي إنّه لا يوجد شيء خفي. لقد قال ذلك علنًا، وتحدّث علنًا، وشجّع علنًا. لدينا وثائق عدة تُثبت أنّهم قدّموا المساعدة، هم وكذلك الكيان الصهيوني، وقدّموا دعمًا سأشير إليه باختصار لاحقًا. نحن نعدّ الرئيس الأمريكي مجرمًا، سواء بسبب الخسائر في الأرواح، أو بسبب الأضرار، أو بسبب افترائه على الشعب الإيراني.
أما النقطة الثانية، فتتعلق بعناصر الفتنة، وأولئك الذين كانوا في الميدان؛ من كان هؤلاء؟ لقد انقسموا إلى فئتين: الفئة الأولى هي تلك المجموعة التي اختارتها أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية بعناية، فاستقدموا معظمهم إلى خارج البلاد، بينما درّبت بعضهم هنا على كيفية التحرك وكيفية إشعال الحرائق وكيفية بث الخوف وكيفية الهروب من الشرطة؛ كما أغدقوا عليهم أموالًا طائلة. فئة كانت من هؤلاء الذين كانوا قادة الحشود، وكانوا يسمّون أنفسهم بـ«ليدر»؛ أي نحن قادة هذه الجماعة. بحمد لله، أوقِف واعتُقل عدد كبير منهم؛ وقد أبلت القوات العسكرية والأمنية والاستخباراتية بلاء حسنًا في هذا المجال. اعتُقل عدد كبير من هؤلاء العملاء الخبيثين والمجرمين، وهم مجرمون بالفعل.
أمّا الفئة الثانية، أشخاص لم تكن لهم أي علاقة بالكيان الصهيوني ولا بأي جهاز استخباراتٍ معيّن؛ إنّما هو مراهقٌ ساذج، يُكلّمونه ويُؤثّرون فيه ويُثيرون حماسته؛ والشباب والمراهقون تأخذهم الحماسة، فيدخلون الميدان ويرتكبون أعمالًا ينبغي لهم ألا يفعلوها، ويرتكبون تصرّفاتٍ طائشة لا يجوز ارتكابها. هؤلاء بمنزلة عناصر المشاة، ومهمّتهم أن يذهبوا للاعتداء على مكانٍ ما: مخفر، منزل، دائرة، بنك، مركز صناعي، مرفق كهرباء؛ هذه هي مهمّتهم. يجمعهم أولئك القادة، فيجمع كلّ واحدٍ منهم عشرة أو عشرين أو خمسين شخصًا، ويوجّهونهم قائلين: «يجب أن تذهبوا إلى هناك، وأن تؤدوا هذا العمل وترتكبوا هذه الجريمة»؛ وللأسف يفعلون ذلك. لقد حدثت جرائم كثيرة.
في هذه الفتنة، ارتكب هؤلاء العناصر الجهلة وغير الواعين، مع تلك العناصر القادة الخبيثة والمدرَّبة، أعمالًا سيّئة وجرائم كبيرة. خربوا 250 مسجدًا، وأكثر من 250 مركزًا تعليميًا وعلميًا، وألحقوا أضرارًا بمرافق الكهرباء والمصارف والمراكز العلاجية والمتاجر التي تضمّ أرزاق الناس، وألحقوا الأذى بالناس. هؤلاء قتلوا بضعة آلاف من الأشخاص، وقتلوا بعضهم بقسوة غير إنسانية ووحشية تامة. يهاجمون مسجدًا، فيدخل عدد من الشباب إلى ذلك المسجد للدفاع، فيغلقون باب المسجد [عليهم]، ويُضرمون النار فيه، فيحترق المسجد وأولئك الشباب يحترقون! سوف أُبيّن لاحقًا أنّ هذا الفعل نفسه مخطَّط له، وأنّ هذه التفاصيل من العمل أُدرجت ضمن مخطّط عام مُعَدّ سلفًا، قد جُهّز ووُضع ليُنفَّذ على هذا النحو وليدار التحرك بهذه الصورة. قتلوا عددًا من الناس في الشوارع والأسواق، من الأبرياء، وقتلوا فتاة في الثالثة من عمرها، ورجالًا، ونساءً عُزّلًا أبرياء. كانت بحوزتهم أسلحة؛ كانت لديهم أسلحة نارية وأسلحة بيضاء؛ وقد قُدِّمت لهم. جاءت هذه الأسلحة من الخارج؛ وجاءت خصيصًا لتُوزَّع بين عناصر إثارة الفتنة ولترتكب هذه الجرائم. حسنًا، هذا في ما يخص عناصر الفتنة؛ هؤلاء هم عناصر الفتنة.
طبعًا، لقد قصمَ الشعبُ الإيرانيُّ ظهرَ الفتنة. أطلق الشعب الإيراني تحرّكًا مليونيًّا في الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير، الذي تحوّل إلى يومٍ تاريخي مثل يوم 11 شباط/ فبراير. أي إنّ الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير من صُنع الشعب الإيراني، وقد أضاف فخرًا جديدًا إلى سجلّ افتخاراته. تمكّن الشعب الإيراني في طهران، بمشاركة عدة ملايين، وفي مختلف المدن الأخرى بحشود كبيرة وحاشدة، من توجيه ضربةٍ قاصمة إلى قوة صخب المدّعين. الحمد لله، أنجزوا هذا الأمر وأخمدوا الفتنة. لقد كان ذلك إنجاز الشعب الإيراني.
بالطبع، في الصحافة المرتبطة بالصهاينة حول العالم - وغالبية هذه الوكالات الإخبارية تعود إليهم – ضُخّمت تلك الفئة القليلة من مثيري الفتنة، وقالوا إنها الشعب الإيراني؛ في حين هذه الجموع الهائلة من الناس في طهران وسائر المدن لم يذكرها بعضها بتاتًا، وبعضها الآخر قال إنهم بضعة آلاف فقط! هذه عادتهم، ولا بد أن يفعلوا ذلك؛ لا بأس. لكنّ الحقيقة غير ذلك؛ الحقيقة هي ما ترونه بأم أعينكم، وتشاهدونه في مدنكم أو في طهران.
أما كيفية تصرّفنا، فحسنًا، لقد هزم الشعبُ الإيرانيّ أمريكا. أطلق الأمريكيون هذه الفتنة بعد مقدمات كثيرة، لتحقيق أهدافٍ أكبر أشرتُ إليها سابقًا. كانت هذه الفتنة مقدّمةً لمشاريع أكثر خطورة وأوسع، ولكن الشعب الإيراني أسقطها. كما أنّ الشعب الإيراني هزم أمريكا والكيان الصهيوني في تلك الحرب التي استمرّت أيامًا عدة قبل أشهر، فقد هزم اليوم أيضًا أمريكا بفضل الله. هذا أمرٌ صحيح، ولكنه غير كافٍ. نعم، لقد أخمدنا الفتنة، ولكن هذا وحده لا يكفي. على أمريكا أن تُحاسَب. على أجهزتنا المختلفة، من وزارة الخارجية وسائر المؤسسات المعنية، أن تتابع هذه القضية بجدّية. نحن لا نسوق البلاد نحو الحرب، ولا نعتزم جرّ البلاد إلى الحرب، ولكننا في الوقت نفسه لن نترك المجرمين في الداخل بلا حساب. الأسوأ من المجرمين في الداخل هم المجرمون على المستوى الدولي، وهؤلاء أيضًا لن نتركهم. يجب أن تُتابَع هذه القضية بأساليبها الخاصة وبالطرق الصحيحة. بتوفيقٍ من الله، وكما قصم الشعب الإيراني ظهرَ الفتنة، عليه أيضًا أن يقصم ظهور مثيري الفتنة أنفسهم.
النقطة الأخيرة التي لدي. في هذه الحادثة، وفي مواجهة هذه الفتنة الأمريكية والصهيونية، لقد ضحّى المسؤولون في الشرطة والأمن وحرس الثورة والتعبئة بكلّ ما لديهم حقًا؛ لم يعرفوا ليلًا ولا نهارًا، حتى تمكّنوا من إزالة الفتنة التي نشأت بمقدّمات كثيرة وبتكاليف هائلة من العدو، والقضاء عليها تمامًا. كما تعاون مسؤولو البلاد جميعهم، وقال الشعب الإيراني كلمته الأخيرة وأنهى المسألة بصورة حاسمة، ولكن بالوحدة. أود أن أقدّم توصيتي الدائمة: أولاً؛ يجب الحفاظ على وحدة الشعب، والحيلولة دون تفشّي النزاعات الحزبية والسياسية والفئوية وما إليها بين الناس. كونوا يداً واحدة؛ وليقف الجميع صفاً واحداً في الدفاع عن النظام الإسلامي وعن البلاد وعن إيران العزيزة. كما أن المسؤولين المعنيين في مختلف القطاعات قد بذلوا جهوداً حقيقية؛ فرئيس الجمهورية الموقّر وسائر رؤساء السلطات كانوا في قلب الميدان وعملوا بجد. لا يصحّ أن نوجّه الانتقادات - لمجرد جهلنا بما يفعله الآخرون - فنتساءل: «لماذا لم يفعلوا كذا وكذا؟»، كلا؛ فالجميع قد عملوا. إنني أرفض رفضًا قاطعًا توجيه الإهانات إلى رؤساء البلاد، رئيس الجمهورية والآخرين، وسط هذه الظروف الدولية والداخلية الحساسة، بل أمنع ذلك وأنهى عنه، سواء صدر ذلك من داخل مجلس الشورى [الإسلامي] أو من خارجه. لِنقدّر هؤلاء المسؤولين الذين لم ينأوا بأنفسهم عن الشعب حينما حدثت هذه الحادثة للبلاد؛ ففي الماضي، كان الشعب ينزل إلى الميدان في حين يكتفي بعض المسؤولين بالمشاهدة، بل وربما أطلقوا تصريحات ضد الشعب. أما هذه المرة، فقد كان المسؤولون إلى جانب الشعب وفي وسطهم، وتحركوا معهم وبذلوا الجهد لتحقيق الهدف ذاته؛ وهذا التلاحم يستحق التقدير، وهو أمرٌ في غاية الأهمية. توصيتي المؤكدة بشأن شخص رئيس الجمهورية ومسؤولي السلطات ورؤساء السلطات الأخرى ورؤساء الأجهزة الفاعلة في البلاد، هي أن دعوهم يؤدّون عملهم ويبذلون جهدهم وينجزون الخدمة الكبرى الملقاة على عاتقهم.
طبعًا، الوضع الاقتصادي ليس جيدًا، فمعيشةُ الناس حقيقةً تواجه مشكلات؛ وأنا أعلم ذلك. ينبغي لهم أن يعملوا على نحو مضاعف في هذه المجالات. من أجل السلع الأساسية والأعلاف الحيوانية والمواد الغذائية وحاجات الناس العامة، على المسؤولين الحكوميين أن يعملوا بمقدار مضاعف من الجهد المعتاد، وبجديّة أكبر؛ لا شك في ذلك. هم لديهم واجبات، وكذلك نحن الناس لدينا واجبات؛ يجب أن نؤدي ما علينا من واجبات. إذا أَدَّينا واجباتنا، فإن الله المتعالي سيبارك عملنا. اللهم، اجعل هذه البركة في أعمالنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
